مغامرة وادي الموجب وأسرار جرش وعجلون
فجأة، وبدون أي مقدمات، خطرت على بالي فكرة زيارة الأردن. كان السبب المحرك خلف هذه الرغبة واضحاً ومحدداً: رؤية "البتراء"؛ إحدى عجائب الدنيا السبع.
لم أتردد كثيراً، وبدأت بالبحث حتى وفقت في الحصول على تذكرة طيران بسعر منخفض على متن "طيران ناس" برحلة مباشرة من مطار الدمام، كما حجزت سريراً في "هوستل" ذو تقييم عالٍ في العاصمة عمّان يقع على مقربة من منطقة وسط البلد النابضة بالحياة.
هنا بدأت مرحلة التخطيط وترتيب الأفكار: كيف سأتصرف؟ وكيف سأنتقل بين المعالم السياحية؟ في البداية، وجدت أن الهوستل يقدم رحلات بنظام المشاركة بين النزلاء (كلما زاد العدد قلت التكلفة على الشخص)، وقررت الاعتماد على هذه الطريقة. لكنني بعد تعمق أكبر في البحث، شعرت أنني لا أحتاج لهذه الجولات المشتركة وأنني قادر على إدارتها بنفسي عبر المواصلات العامة لتوفير المال والحصول على حرية أكبر.. ولكنني لاحقاً اكتشفت كم كنت مخطئاً، وسأخبركم بالسبب في السطور القادمة!
ضربة حظ في المطار: كيف أنقذتني سيارة مستأجرة؟
كان العائق الأول في خطة المواصلات العامة هو وقت وصول رحلتي؛ حيث كان من المقرر أن أصل مطار الملكة علياء الدولي في منتصف الليل تقريباً، وهو توقيت تكون فيه باصات النقل المتجهة للمدينة قد توقفت عن العمل منذ ساعتين.
بحثت عن خيارات النقل الخاص من المطار إلى الهوستل ووجدتها مرتفعة الثمن. وفجأة، لمعت في رأسي فكرة حجز سيارة صغيرة بنظام الإيجار. وبعد بحث سريع، عثرت على عرض لا يُفوّت: قيمة إيجار السيارة لمدة 4 أيام كانت أقل من تكلفة النقل الخاص من المطار باتجاه واحد فقط!
وصلت إلى عمان، تواصلت مع شركة التأجير (الموجودة خارج المطار)، وبعد انتظار قارب الساعة وصل الموظف بالسيارة، وتوجهنا للمكتب الذي يبعد 7 دقائق، أنهينا الإجراءات، وانطلقت فوراً إلى الهوستل لأحظى بنوم عميق استعداداً ليوم حافل.
اليوم الأول: بين أحضان الطبيعة وأسرار الرومان والمسلمين
لأن الرحلة قصيرة، فليس هناك متسع لإضاعة الوقت. استيقظت صباحاً، تناولت فطوراً خفيفاً، وانطلقت بالسيارة الصغيرة نحو الشمال.
المحطة الأولى: حديقة النباتات الملكية
بعد قرابة نصف ساعة من القيادة، وصلت إلى الحديقة الواقعة بالقرب من جرش. المكان عبارة عن محمية وطنية ساحرة للنباتات، وتتميز بإطلالة مذهلة على سد الملك طلال. تحتوي الحديقة على فعاليات مميزة تناسب العوائل، أبرزها "الزبلاين" (الإنزال بالحبل) والذي يُعد الأطول في الشرق الأوسط والخامس عالمياً، بالإضافة إلى أرجوحة ضخمة معلقة في الهواء تطل مباشرة على السد.
المحطة الثانية: مدينة جرش الأثرية (روما الشرق)
من الحديقة توجهت إلى جرش. هنا تشعر وكأنك ركبت آلة الزمن وعدت ألفي عام إلى الوراء! تبعد جرش حوالي 48 كم شمال العاصمة عمّان، وتُصنف كواحدة من أفضل المدن الرومانية المحافظ عليها في العالم خارج إيطاليا.
تجولت بين معالمها التاريخية المذهلة التي لا تزال قائمة بشموخ، ومنها:
قوس هادريان (قوس النصر) الذي يستقبلك بهيبته.
الساحة البيضاوية (ساحة الندوة) المحاطة بالأعمدة.
شارع الأعمدة (كاردو ماكسيموس) وسبيل الحوريات.
المسرح الجنوبي والشمالي، ومعبد أرتميس الشهير.
المحطة الثالثة: قلعة عجلون (قلعة الربض)
بعد هذه الجرعة البصرية المكثفة من تاريخ الرومان، انتقلت إلى الشموخ الإسلامي في عجلون. بنيت هذه القلعة في القرن الثاني عشر على يد القائد "عز الدين أسامة"، أحد قادة صلاح الدين الأيوبي، لحماية المنطقة والسيطرة على طرق التجارة. القلعة نموذج عبقري للعمارة العسكرية الإسلامية في العصور الوسطى، والإطلالة من أعلى أبراجها على الغابات المحيطة مشهد لا يُنسى.
أثناء زيارتك، يمكنك استكشاف:
الدهاليز والممرات السرية.
الأبراج المربعة والقاعات الأثرية.
خزانات المياه والمتحف الداخلي للقلعة.
بعد هذا اليوم الحافل بالتاريخ والثقافة، عدت أدراجي إلى العاصمة عمان لأستعد لمغامرة من نوع آخر تماماً.
اليوم الثاني: مغامرة أخفض نقطة في العالم ووادي الموجب الشرس
في اليوم التالي، تركنا التاريخ خلفنا لنغوص في مغامرة مائية استثنائية!
المحطة الأولى: البرك الوردية في البحر الميت
انطلقت نحو البحر الميت، أخفض نقطة على وجه الأرض. كنت مستعداً للسباحة (أو الطفو بالأصح!)، وجهزت معي قارورة ماء ضخمة لغسيل الملح بعد الانتهاء، وتوجهت لأبعد نقطة بهدف رؤية "البرك الوردية" الشهيرة.
أوصلتني خرائط جوجل إلى الموقع، لكن لم يكن هناك موقف مخصص للسيارات، والنزول على الأقدام بدا صعباً. تقدمت قليلاً حتى وجدت كشكاً صغيراً، وتوقفت عنده. أخبرني صاحب الكشك اللطيف أنه بإمكاني النزول بسهولة من هذه النقطة، كما يوفر المكان مشروبات وأماكن للاستحمام مقابل 3 دنانير. ورغم أنني لم أكن أنوي الاستحمام عنده، إلا أنه سمح لي بالوقوف مجاناً (وقمت بشراء مشروب بارد منه كنوع من الشكر عند عودتي).
طريق النزول للبرك سهل إلى متوسط، لكنه لا يناسب الأطفال أو كبار السن. التقطت صوراً مذهلة هناك. وعندما أردت التوجه للبحر الميت، راودني التردد؛ الشاطئ خالٍ تماماً، الشمس حارقة، وأنا بمفردي. اكتفيت بتسجيل وجودي في المكان وعدت للسيارة.
المحطة الثانية: وادي الموجب (جراند كانيون الأردن)
هنا بدأت الإثارة الحقيقية في واحدة من أمتع التجارب التي قد تخوضها في حياتك! وادي الموجب هو محمية طبيعية ووجهة عالمية لمحبي "الهايكنج المائي". ارتديت سترة النجاة واستعددت للمشي، السباحة، والتسلق ضد تيار المياه المتدفقة بين جدران الصخور الشاهقة. التحدي حقيقي، والمشهد الجيولوجي مهيب يجعلك تشعر بقوة وعظمة الطبيعة.
لكن المغامرة لم تخلُ من العقبات:
أزمة الكاش: عند شباك التذاكر، فشلت جميع محاولات الدفع الإلكتروني بالبطاقة، ولم أكن أملك كاش يكفي. بعد قطع كل هذه المسافة، رفضت الاستسلام. وهنا تجلت شهامة أهل الأردن؛ حيث سمح لي أحد المسؤولين الرائعين في المركز بالدخول، وقال لي: "بإمكانك الدفع لاحقاً عندما تعود للهوستل". وفعلاً، قمت بتحويل المبلغ له لاحقاً بمساعدة موظف الهوستل.
خوف البدايات وفرحة الرفقة: دخلت الوادي وحيداً والمكان شبه خالٍ وصادف وقت دخولي مجموعة شباب اردنيين وانا امشي تعرفت على احدهم وبعدها انطلقت لوحدي بعد تجاوز نقطة الصعود الأولى، توقفت وسألت نفسي: "ماذا أفعل هنا؟ ماذا لو حدث لي مكروه وأنا بمفردي؟". قررت العودة، وقلت إن صادفت مجموعة الشباب الذين رأيتهم في البداية سأكمل معهم، وإلا سأنسحب. ولحسن الحظ صادفت الشباب وكانوا في قمة اللطف والترحاب، وأكملت المغامرة معهم لنسطر واحدة من أجمل ذكريات السفر.
ولم ينتهِ الأمر هنا، بل أصر الشباب بكرمهم المعهود على مشاركتهم وجبة الغداء بعد الرحلة، ولم يكن لدي خيار للرفض. وهذه بالنسبة لي هي متعة السفر الحقيقية: الاندماج مع المحليين وعيش ثقافتهم.
نهاية غير متوقعة: لماذا ألغيت رحلة البتراء؟
بعد انتهاء المغامرة وتناول الغداء، حان وقت العودة إلى عمان. استغرقت الرحلة ساعة ونصف في طريق مظلم وغير مضاء في أغلبه.
بما أنني لا أحب القيادة أساساً اضف اليها اني قدت السيارة في الليل، فقد استهلكت هذه الرحلة جهداً مضاعفاً مني، أضف إلى ذلك التوتر النفسي الذي عشته بسبب مشكلة "الكاش" في وادي الموجب.
بعد وصولي للهوستل، جلست أفكر بروية في خطة الغد (زيارة البتراء):
الطريق يستغرق 3 ساعات ذهاباً ومثلها إياباً (6 ساعات قيادة على الأقل).
مجهود القيادة كبير جداً بالنسبة لي.
سأقضي في البتراء ساعتين إلى ثلاث ساعات تحت أشعة الشمس الحارقة مشياً على الأقدام.
لا أملك كاش كافٍ، ولا أضمن إن كان الدفع الإلكتروني سيعمل هناك أم سيتكرر مأزق الموجب.
أمام هذه الحقائق، اتخذت قراراً صعباً: لن أذهب إلى البتراء هذه المرة! قمت بتعديل موعد رحلة عودتي ليكون في اليوم التالي مباشرة بدلاً من اليوم الذي يليه، وخلدت للنوم وأنا راضٍ تماماً عن قراري ولست نادماً عليه أبداً. فالسفر متعة واستماع، وليس ضغطاً وإرهاقاً للذات.
اليوم الأخير: جولة الآثار والتاريخ بين السلط وعمّان
قبل أن يحزم السفر حقائبه، كان لا بد من استغلال الساعات الأخيرة في استكشاف زوايا تحمل عبق التاريخ الأصيل.
المحطة الأولى: مدينة السلط الأثرية (المدرجة في اليونسكو)
بدأت يومي الأخير بالتوجه نحو مدينة السلط، وهي مدينة مميزة جداً وتُعد أولى الحواضر الأردنية التي أُدرجت على قائمة التراث العالمي لليونسكو تحت مسمى "مدينة التسامح والضيافة الحضرية"، بفضل هندستها المعمارية الفريدة المصنوعة من الحجر الأصفر الشاحب، والتعايش المشترك العريق بين سكانها.
تجولت في أزقتها الضيقة الساحرة، ومررت بـ "سوق الحمام" القديم والمشهور بحيويته ودكاكينه التراثية، ثم دخلت "متحف أبو جابر" (بيت أبو جابر) الذي يُعد من أشهر وأجمل المباني الأثرية في السلط، إذ يمثل العمارة الازدهارية في أواخر العهد العثماني. وبالمناسبة، فإن الدخول للمتحف مجاني تماماً، وهو فرصة رائعة لفهم تاريخ المدينة الاجتماعي والاقتصادي.
المحطة الثانية: كهف أصحاب الكهف (آية في الأرض)
بعد الانتهاء من السلط، كانت الوجهة التالية معلمًا دينيًا وتاريخيًا استثنائيًا، ومذكورًا في القرآن الكريم: كهف أهل الكهف (الرقيم)، والذي يبعد عن وسط العاصمة عمان قرابة 20 دقيقة فقط بالسيارة.
عند وصولك إلى المكان، ستشعر برهبة عجيبة تملأ الأجواء. الكهف من الداخل صغير جداً، وبمجرد دخولك، يتواجد شيخ دين مسؤول عن المكان يقوم مشكوراً بشرح قصة الفتية المؤمنين وتوضيح بعض المعلومات التاريخية والأثرية حول القبور البيزنطية الموجودة داخل الكهف ومسجد الأثر المحيط به.
المحطة الثالثة: جبل القلعة (قلعة عمّان)
عدت بعد ذلك إلى الهوستل، وأوقفت السيارة لتبدأ جولتي الأخيرة مشياً على الأقدام نحو جبل القلعة (أو قلعة عمان)، وهو أعلى جبل في المدينة ويضم آثاراً تعود للحضارات العمّونية، اليونانية، الرومانية، والبيزنطية والأموية.
أبرز ما يلفت انتباهك هناك هي أعمدة معبد هرقل الروماني الشاهقة، والقصر الأموي المهيب. أثناء تجولي في المكان، شعرت وكأنني أعيش داخل فيلم روماني قديم؛ أغمضت عيني وتخيلت كيف كانت هذه الساحات تعج بالحياة والحركة في غابر الأزمان، وكيف كان التجار يسوقون بضائعهم (والعبيد في العصور السحيقة) نحو الأسواق والمتاجر لبيعهم. المكان يمنحك أيضاً إطلالة بانورامية ساحرة على وسط البلد والمدرج الروماني من الأعلى.
بعد نهاية هذه الجولة البانورامية في جبل القلعة، عدت أدراجي إلى الهوستل لترتيب أغراضي؛ فللأسف رحلتي في الأردن قاربت على الانتهاء. ودعت هذا البلد الجميل وفي قلبي وعد أكيد: لي عودة أخرى بإذن الله، لزيارة البتراء وتكرار تجربة الهايك المائي الشيق في وادي الموجب!
تعليقات
إرسال تعليق
وش رايك في الموضوع؟