التعميم لغة الجهلاء: فلترحل العنصرية وليبقَ جوهر السفر الحقيقي
يُقال دائماً إن "التعميم لغة الجهلاء". ولكيلا نقع في هذا الفخ، من الضروري ألا نحكم على شعوب بأكملها لمجرد موقف أو موقفين واجهانا أثناء السفر. العنصرية شيء مقيت بكل أشكالها؛ وتلك النظرة المتعالية التي يتبناها البعض بقولهم: "أنا لا أسافر لهذه الدولة لأن رائحتهم كذا"، أو "لا أزور هذا المكان لأن أشكالهم لا تعجبني"، تتنافى تماماً مع الحكمة التي من أجلها خُلقنا شعوباً وقبائل.
يقول الله تعالى في محكم آياته:
{ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }
في الفترة الماضية، صرت أرى الكثير من المشاهير -الذين يدعون الفهم والخبرة في عالم السفر- يقدمون نصائح غريبة لمتابعيهم. مختصر فلسفتهم المزعومة يتلخص في: "سافر لتجلس في الفندق، واذهب للمَعلم السياحي، ولا تكلم أحداً، ولا تلتفت لأحد!". ولكن، هل هذا هو السفر حقاً؟
مواقف عشتها بنفسي: الوجه الآخر للشعوب
دعوني أشارككم بعضاً من تجاربي الشخصية، وهي تجارب تتكرر مع الكثير من المسافرين الحقيقيين حول العالم:
1. في فرنسا: أين كبرياء الفرنسيين؟
قبل سفري لفرنسا، قيل لي كثيراً إن الفرنسيين شعب متعالٍ، لا يساعدون الغرباء، ويرفضون التحدث بغير لغتهم.
في أول يوم لي هناك، وصلت وأنا ضائع تماماً ولا أعرف كيف أصل للسكن الذي حجزته.
المفاجأة؟ ساعدني أشخاص فرنسيون بكل ود حتى أوصلوني إلى باب السكن، دون أي تعيلٍ أو تذمر، ورغم أنهم لا يتحدثون الإنجليزية وأنا لا أتحدث الفرنسية، إلا أن لغة الإنسانية كانت كافية!
2. في تركيا: هل العداد دائماً يخدع؟
أثناء زياراتي لتركيا، تعرضت لأشكال مختلفة ومتنوعة من النصب، وفي كل مرة أنصح فيها أحداً بنوع الخدعة التي حدثت معي، يفاجئنا المحتالون بأسلوب جديد! لكن، هل يعني هذا أن كل الأتراك نصابون؟ بالطبع لا!
في إحدى المرات، طلبت تاكسي لمشوار بعيد واتفقت معه على السعر مسبقاً. وعندما وصلنا، كان العداد قد تجاوز السعر المتفق عليه بكثير بسبب الازدحام. بدافع الأمانة، أعطيته المبلغ الذي ظهر في العداد، لكن السائق رفض وأعاد لي الفارق متصدقاً بالاتفاق الأول، ورغم أنه لا يتحدث سوى التركية، إلا أن أمانته تحدثت بوضوح.
3. في مصر: بين الاستغلال والضيافة الكريمة
عندما زرت مصر، حاول بعض الأشخاص استغلالي في الأماكن السياحية لمجرد أنني مسافر "خليجي". ولكن في المقابل، وبسبب هويتي الخليجية أيضاً، حظيت بكرّم ضيافة وحفاوة بالغة في أماكن أخرى جعلتني أشعر أنني في بيتي وبين أهلي.
4. في جنوب أفريقيا: النافذة المكسورة والاعتذار النبيل
منذ اليوم الأول لي في جنوب أفريقيا، استأجرت سيارة للتنقل. ذهبت لتناول العشاء، وعندما عدت صُدمت بأن نافذة السيارة قد كُسرت وسُرقت منها بعض الأشياء البسيطة التافهة. عدت إلى السكن وتحدثت مع موظف الاستقبال، ففوجئت به يقدم لي اعتذاراً حاراً وعميقاً وكأن الموقف حدث بسببه أو تحت ناظريه ولم يستطع حمايتي!
هنا يتجلى السؤال: هل من العدل أن أركز فقط على حادثة السرقة، وأتجاهل الموقف النبيل والمواساة الراقية التي قدمها لي هذا الموظف؟
السفر الحقيقي: بين النصيحة المفيدة والرأي الشخصي المبهم
مختصر الكلام: في كل مكان في العالم هناك الصالح والطالح، والزين والشين. إذا واجهت موقفاً سيئاً أو تصرفاً لم يعجبك، فابتعد عنه ببساطة ولا تعمم هذا الفعل الفردي على شعب بأكمله. وإذا كنت مصراً على التعميم، فلماذا لا تعمم المواقف الجميلة والشهامة التي رأيتها أيضاً؟
وعندما تقرر تقديم نصيحة للمسافرين، قدم معلومات حقيقية ومفيدة، ولا تحول رأيك الشخصي وقوالبك الجاهزة إلى قوانين. على سبيل المثال:
نصيحة مفيدة وحقيقية: "جورجيا تمنع دخول دواء البندول (المحتوي على مواد معينة) وقد يؤدي ذلك للسجن". هذه معلومة قانونية تفيد المسافر.
نصيحة مقبولة: "لا تسافر لهذا المكان إذا كنت لا تفضل الأجواء الباردة".
نصيحة مبهمة وخاطئة: "لا تسافر لهذا المكان في الشتاء". هذه صياغة خاطئة؛ فما أدراك؟ قد أكون أنا من عشاق الأجواء الشتوية والثلوج!
إلى من يهمه الأمر..
هذا الكلام موجه للشخص الذي يعشق السفر بمفهومه الحقيقي؛ السفر القائم على الاكتشاف، المغامرة، والتعرف على الآخر وبناء الجسور الثقافية.
أما أولئك الذين يبحثون عن "السياحة الفاخرة" فقط؛ من يسكنون في الفنادق الفارهة، ويتنقلون بالسيارات الفاخرة، وينزلون عند بوابات المعالم السياحية لتُفرش لهم السجادة الحمراء.. هذا الكلام موجه لهم أيضاً! لعلهم يتوقفون عن تعميم التوافه والمواقف العابرة البسيطة التي تحدث لهم على شعب ودولة بأكملها.




تعليقات
إرسال تعليق
وش رايك في الموضوع؟